تذكرني ...انا غير
10-30-2007, 06:13 AM
موعد مع الموت
هل يمكن للإنسان أن يأخذ موعدًا مع الموت؟ وإذا كان ذلك الأمر ممكناً فكم عدد الأشخاص الذين يمكن أن يقبلوا بتحديد مثل هذا الموعد؟ قلة طبعًا، حتى أولئك البؤساء الكارهون للحياة لن يقبلوا بهذا التحديد، وهم يعتقدون أنهم هم الذين يملكون دفة هذا الأمر، بينما الواقع يشير أنهم مهما حاولوا فلن تنفع محاولاتهم ووساطاتهم في تحديد الموعد المقرر.
ومن القصص القديمة التي تروى في عدم قدرة الإنسان على الفرار من الموت قصة وزير سليمان، الذي كان جالسًا عنده يوما في وقت الضحى "فدخل عليه رجل يسلم عليه وجعل هذا الرجل يحادث سليمان ويحد النظر للوزير ففزع الوزير منه فلما خرج الرجل قام الوزير وسأل سليمان يا نبي الله من هذا الرجل الذي خرج من عندك قد و الله أفزعني منظره، فقال سليمان هذا ملك الموت يتصور بصورة رجل ويدخل الي ففزع الوزير وبكى وقال يا نبي الله أسألك بالله أن تأمر الريح وتأخذني الى مكان بعيد فأمر سليمان الريح فحملته إلى الهند، فلما كان من الغد دخل ملك الموت على سليمان كعادته ليسلم عليه كما كان يفعل فقال له سليمان قد أفزعت صاحبي بالأمس فلماذا كنت تحد اليه النظر فقال يا نبي الله اني دخلت عليك في الضحى وقد أمرني الله بأن أقبض روحه بعد الظهر في الهند فتعجبت أنه عندك ومع هذا ذهبت الى الهند كما أمرني الله لأقبض روحه فوجدته هناك".
إن حال الإنسان مع الموت حال غريبة، إذ إنه على رغم شهوده لحالات موت عديدة، إلا أن مستوى تأثره بهذه الحالات ليست على درجة واحدة من القوة، ففيما تمر بعض حالات موت الأحبة بشكل طبيعي تمر بعض حالات موت الغرباء بشكل مؤثر وعاصف وتبقى لحظات موتهم واحتضارهم حاضرة في سجل الذكريات إلى الأبد.
إن حادثة الموت الجماعي والمروع التي صدمت الناس في لبنان، وجعلت البلد بأكمله يتشح بالحزن تركت في كل إنسان صدمة قوية. فكان منظر الحريق الذي التهم السيارات والأجساد أكبر دليل على أن الموت لا يمكن أن يحدد موعداً لأحد، ولا يمكن أن يستأذن من أحد.
عبرٌ عديدة يمكن أن تستخلص في هذا المجال، منها ما يلي:
1-إن الموت لا ينفع معه أخذ الحيطة والحذر، والقرآن الكريم ذكر ذلك عندما تحدث عن أهل القرية الذين حاولوا الفرار من الوباء الذي طال قريتهم طلبا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعًا وفي آن واحد، قال تعالى: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم "، كل هذا ليظهر لهم أن "لا يغني حذر من قدر"، وأن الله سبحانه وتعالى جعل لكل إنسان أجل فإذا جاء هذا الأجل فلن تنفع معه كل محاولات التحصن، وصدق الله عز وجل عندما قال " يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة".
2- إن الموت لا يبالي بالأعمار كما لا يبالي بالمخططات والآمال، فالذين فقدوا في هذا الحادث المروع كانوا شبابًا وشيوخًا، منهم من كان يجهز نفسه للزواج، ومنهم من كان مسؤولا عن عائلة، ومنهم من كان مسؤولا عن وطن... منهم من كان قبل لحظات من موته يضحك مبتسمًا. منهم من كان قبل يوم واحد يحتفل مع عائلته. كلهم تركوا أمانيهم ورحلوا حتى دون كلمة وداع للأحبة... وهؤلاء يصدق فيهم قول الشاعر:
أذكر الموت ولا أرهبــه إن قلبي لغليظ كالحجر
أطلب الدنيا كأني خالـد وورائي الموت يقفو بالأثر
وكفى بالموت فاعلم واعظا لمن الموت عليه قد قـدر
والمنايا حوله ترصـــده ليس ينجي المرء منهن المفر
3- إن الموت إذا قرر أن يأتي للموعد الذي يحدده فإنه يجهز لمجيئه قبل الوقت، فإنه قد يخلط الأوراق والمواعيد والأماكن فيجلس شخص مكان آخر، ويتبادل أحدهم دوام عمل رفيقه، ويمر الآخر في طريق لم يكن يخطط المرور فيها، كل هذا ليجعل من كتب عليه الموت يأتي على الموعد، وليقف من كان من المفترض أن يأتي مشدوهًا متساءلا حائرًا.
إن المشاهد التي رآها الناس والتي صورت مباشرة إثر الحادث تركت في النفس أثرًا أليمًا لن ينتسى عن ذلك اليوم العصيب، ولعل أفظعها كان مشهد الحريق وهو يلتهم جسد أحد الأشخاص، شاب في مقتبل العمر، حاول أن يرفض الحضور إلى الموعد... قاوم، رفع يده معبراً عن رفضه، وعندما لم يجد إجابة قرر أن يتخلى عن طلب المساعدة وأن يعتمد على نفسه، لوى جسده التي بدأت تأكله النيران، رمى بنفسه بكل إصرار من نافذة السيارة، وقف كالطود والنار تشتعل في جسده، فتح كلتا يديه ومشى وكأنه يقول لن آتي... لن آتي... ولكن هيهات، ما كل ما يتمناه المرء يدركه.
لقد كان لهذا الحادث المروع أثره على كل الناس، فجعلت الجميع مشدوهين مصدومين وكأنهم لم يكونوا على علم بأن هناك شيء في هذه الحياة اسمه الموت، وأن هذا الموت لا يبالي بكبير ولا بصغير، فهو وحده من يقرر متى يجيء ومتى يغيب، وكل ما يستطيع الإنسان أن يفعله هو الاستعداد للقاءه عندما يناديه، عندئذ فقط يجنب نفسه الصدمة، وعندئذ يفرح بهذا اللقاء، لأن "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه".
هل يمكن للإنسان أن يأخذ موعدًا مع الموت؟ وإذا كان ذلك الأمر ممكناً فكم عدد الأشخاص الذين يمكن أن يقبلوا بتحديد مثل هذا الموعد؟ قلة طبعًا، حتى أولئك البؤساء الكارهون للحياة لن يقبلوا بهذا التحديد، وهم يعتقدون أنهم هم الذين يملكون دفة هذا الأمر، بينما الواقع يشير أنهم مهما حاولوا فلن تنفع محاولاتهم ووساطاتهم في تحديد الموعد المقرر.
ومن القصص القديمة التي تروى في عدم قدرة الإنسان على الفرار من الموت قصة وزير سليمان، الذي كان جالسًا عنده يوما في وقت الضحى "فدخل عليه رجل يسلم عليه وجعل هذا الرجل يحادث سليمان ويحد النظر للوزير ففزع الوزير منه فلما خرج الرجل قام الوزير وسأل سليمان يا نبي الله من هذا الرجل الذي خرج من عندك قد و الله أفزعني منظره، فقال سليمان هذا ملك الموت يتصور بصورة رجل ويدخل الي ففزع الوزير وبكى وقال يا نبي الله أسألك بالله أن تأمر الريح وتأخذني الى مكان بعيد فأمر سليمان الريح فحملته إلى الهند، فلما كان من الغد دخل ملك الموت على سليمان كعادته ليسلم عليه كما كان يفعل فقال له سليمان قد أفزعت صاحبي بالأمس فلماذا كنت تحد اليه النظر فقال يا نبي الله اني دخلت عليك في الضحى وقد أمرني الله بأن أقبض روحه بعد الظهر في الهند فتعجبت أنه عندك ومع هذا ذهبت الى الهند كما أمرني الله لأقبض روحه فوجدته هناك".
إن حال الإنسان مع الموت حال غريبة، إذ إنه على رغم شهوده لحالات موت عديدة، إلا أن مستوى تأثره بهذه الحالات ليست على درجة واحدة من القوة، ففيما تمر بعض حالات موت الأحبة بشكل طبيعي تمر بعض حالات موت الغرباء بشكل مؤثر وعاصف وتبقى لحظات موتهم واحتضارهم حاضرة في سجل الذكريات إلى الأبد.
إن حادثة الموت الجماعي والمروع التي صدمت الناس في لبنان، وجعلت البلد بأكمله يتشح بالحزن تركت في كل إنسان صدمة قوية. فكان منظر الحريق الذي التهم السيارات والأجساد أكبر دليل على أن الموت لا يمكن أن يحدد موعداً لأحد، ولا يمكن أن يستأذن من أحد.
عبرٌ عديدة يمكن أن تستخلص في هذا المجال، منها ما يلي:
1-إن الموت لا ينفع معه أخذ الحيطة والحذر، والقرآن الكريم ذكر ذلك عندما تحدث عن أهل القرية الذين حاولوا الفرار من الوباء الذي طال قريتهم طلبا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعًا وفي آن واحد، قال تعالى: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم "، كل هذا ليظهر لهم أن "لا يغني حذر من قدر"، وأن الله سبحانه وتعالى جعل لكل إنسان أجل فإذا جاء هذا الأجل فلن تنفع معه كل محاولات التحصن، وصدق الله عز وجل عندما قال " يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة".
2- إن الموت لا يبالي بالأعمار كما لا يبالي بالمخططات والآمال، فالذين فقدوا في هذا الحادث المروع كانوا شبابًا وشيوخًا، منهم من كان يجهز نفسه للزواج، ومنهم من كان مسؤولا عن عائلة، ومنهم من كان مسؤولا عن وطن... منهم من كان قبل لحظات من موته يضحك مبتسمًا. منهم من كان قبل يوم واحد يحتفل مع عائلته. كلهم تركوا أمانيهم ورحلوا حتى دون كلمة وداع للأحبة... وهؤلاء يصدق فيهم قول الشاعر:
أذكر الموت ولا أرهبــه إن قلبي لغليظ كالحجر
أطلب الدنيا كأني خالـد وورائي الموت يقفو بالأثر
وكفى بالموت فاعلم واعظا لمن الموت عليه قد قـدر
والمنايا حوله ترصـــده ليس ينجي المرء منهن المفر
3- إن الموت إذا قرر أن يأتي للموعد الذي يحدده فإنه يجهز لمجيئه قبل الوقت، فإنه قد يخلط الأوراق والمواعيد والأماكن فيجلس شخص مكان آخر، ويتبادل أحدهم دوام عمل رفيقه، ويمر الآخر في طريق لم يكن يخطط المرور فيها، كل هذا ليجعل من كتب عليه الموت يأتي على الموعد، وليقف من كان من المفترض أن يأتي مشدوهًا متساءلا حائرًا.
إن المشاهد التي رآها الناس والتي صورت مباشرة إثر الحادث تركت في النفس أثرًا أليمًا لن ينتسى عن ذلك اليوم العصيب، ولعل أفظعها كان مشهد الحريق وهو يلتهم جسد أحد الأشخاص، شاب في مقتبل العمر، حاول أن يرفض الحضور إلى الموعد... قاوم، رفع يده معبراً عن رفضه، وعندما لم يجد إجابة قرر أن يتخلى عن طلب المساعدة وأن يعتمد على نفسه، لوى جسده التي بدأت تأكله النيران، رمى بنفسه بكل إصرار من نافذة السيارة، وقف كالطود والنار تشتعل في جسده، فتح كلتا يديه ومشى وكأنه يقول لن آتي... لن آتي... ولكن هيهات، ما كل ما يتمناه المرء يدركه.
لقد كان لهذا الحادث المروع أثره على كل الناس، فجعلت الجميع مشدوهين مصدومين وكأنهم لم يكونوا على علم بأن هناك شيء في هذه الحياة اسمه الموت، وأن هذا الموت لا يبالي بكبير ولا بصغير، فهو وحده من يقرر متى يجيء ومتى يغيب، وكل ما يستطيع الإنسان أن يفعله هو الاستعداد للقاءه عندما يناديه، عندئذ فقط يجنب نفسه الصدمة، وعندئذ يفرح بهذا اللقاء، لأن "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه".